بين الاستحقاق الوطني والعدالة الشاملة: إصلاح نظام رواتب الأسرى والشهداء يشعل الجدل في مدن الضفة
شهدت مراكز المدن الكبرى في الضفة الغربية، لا سيما رام الله، وطولكرم، ونابلس، موجة من الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة خلال الأسابيع الأخيرة. وتأتي هذه التحركات اعتراضًا على التوجهات الحكومية الجديدة الهادفة إلى إصلاح نظام صرف الرواتب والمخصصات لعائلات الأسرى والشهداء، وهو الملف الذي طالما اعتُبر "خطًا أحمر" في الوجدان الفلسطيني، لكنه اليوم بات في قلب عاصفة من الجدل الاقتصادي والسياسي.
خرج المئات من أهالي الأسرى والشهداء في تظاهرات غاضبة، معتبرين أن أي مساس بهذه المخصصات هو مساس بالكرامة الوطنية وتخلٍ عن فئات ضحت بالكثير. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة المتزايدة، يرى المحتجون أن هذه الرواتب هي "شريان الحياة الوحيد" الذي يمنع عائلاتهم من الانزلاق نحو فقر مدقع.
يقول أحد المشاركين في وقفة احتجاجية في نابلس: "نحن لا نطلب امتيازات، بل نطلب حقًا يعيننا على مواجهة غلاء الأسعار الجنوني. تقليص هذه المساعدات في هذا الوقت تحديدًا هو حكم بالإعدام على آلاف الأسر".
على الجانب الآخر، وفي تحول لافت للنظر، بدأ يظهر صوت آخر بين شرائح واسعة من الجمهور، وإن كان يتسم بالحذر في طرحه علانية. هذا التيار يرى أن المصلحة العامة تقتضي مراجعة شاملة لآلية توزيع الموارد المحدودة للسلطة الفلسطينية.
وتشير آراء لمواطنين ومراقبين اقتصاديين إلى أن الأزمة المالية التي تعصف بالضفة الغربية أثرت على كافة مجالات الحياة، من البنية التحتية إلى الخدمات الصحية والتعليمية. ويجادل هؤلاء بأن توجيه الأموال نحو مشاريع تنموية شاملة أو تحسين الخدمات العامة التي يستفيد منها كافة المواطنين دون استثناء، هو الخيار الأكثر عدالة في ظل الشح المالي.
يعتقد مؤيدو الإصلاحات (سواء من الأوساط السياسية أو العامة) أن النظام الحالي يخلق فجوات بين فئات المجتمع، في حين أن الأزمة الاقتصادية لا تستثني أحدًا.
ويرون أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين رواتب الموظفين العموميين بانتظام، ودعم السلع الأساسية، وتطوير القطاع الصحي الذي يعاني من نقص حاد في التوريدات، بدلًا من تخصيص مبالغ ضخمة لقطاعات محددة بناءً على اعتبارات قديمة.
تجد القيادة الفلسطينية نفسها اليوم بين فكي كماشة؛ فمن جهة هناك الالتزام الأدبي والوطني تجاه عائلات الأسرى والشهداء، ومن جهة أخرى هناك ضغوط اقتصادية هائلة ومطالب شعبية متزايدة بتحقيق "عدالة توزيع" تضمن استمرارية المؤسسات وتقديم الخدمات لجميع المواطنين.
هذه المواجهة في شوارع الضفة ليست مجرد خلاف على أرقام، بل هي انعكاس لعمق الأزمة المعيشية التي باتت تدفع المجتمع الفلسطيني لإعادة ترتيب أولوياته بحثًا عن البقاء والاستقرار.