< سكان القدس: ظاهرة البناء المهمل تهدّد حياتنا
 صورة لايف
رئيس التحرير

سكان القدس: ظاهرة البناء المهمل تهدّد حياتنا

سكان القدس: ظاهرة
سكان القدس: ظاهرة البناء المهمل تهدّد حياتنا

عادت قضية الإهمال في تطبيق معايير السلامة بمواقع البناء لتحتل الواجهة هذا الأسبوع في أحياء القدس، بعد أن وثّق عدد من السكان مشاهد خطيرة جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتكشف هذه التوثيقات عن ظاهرة متجذّرة تُثير قلقًا متصاعدًا في أوساط المجتمع المقدسي، في ظل غياب شبه تام لرقابة فاعلة على مواقع العمل الإنشائي.

قرية العقبة: الحادثة التي أشعلت الجدل

في مشهد لافت وثّقه أحد السكان، ظهرت رافعة إنشائية تعمل فوق شارع مكتظ بالمارّة في قرية العكبة، وهي ترفع ألواحًا إسمنتية ثقيلة من دون أي إشراف ميداني أو إجراءات حماية واضحة لحركة السير. ولم تقتصر المخاطر على غياب الإشراف، بل امتدت لتشمل انعدام الحواجز الفاصلة بين موقع الأشغال والمناطق السكنية المجاورة، ما جعل الأطفال والمشاة عرضةً مباشرةً لأي حادث محتمل.

أصوات السكان: "لا شيء يساوي أرواحنا"

لم تتأخر ردود الفعل الشعبية؛ إذ عبّر المقدسيون عن غضب عارم ومشروع تجاه ما يصفونه بـ"التجاهل المتعمد" لسلامتهم. وأكد عدد من السكان أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج سنوات من التراكم والإهمال الذي طال أحياءً بأكملها دون أن تُتخذ تدابير حقيقية لمعالجته. وكان أبرز ما رددوه جميعًا: لا مشروع بناء في الدنيا يستحق المجازفة بحياة إنسان.

وتتباين حدة المشكلة بين حيّ وآخر، غير أن المشترك بينها جميعًا هو انعدام التسييج الكافي حول المواقع الإنشائية، وتصاعد آلات الحفر والرفع في أوقات الذروة دون إدارة لحركة المرور، إضافة إلى تراكم مواد البناء على أرصفة الأحياء بما يُعيق حركة المشاة.

جذور الأزمة: إهمال مزمن في سياق استثنائي

يعيش سكان القدس المقدسيون في ظروف استثنائية بالغة التعقيد؛ فالمدينة تشهد توسعًا عمرانيًا متسارعًا في ظل ضغوط سياسية وديموغرافية متراكمة، وهو ما يجعل مواقع البناء المتنامية أمرًا واقعًا لا مفرّ منه في كثير من الأحياء. بيد أن التوسع في البناء حين يترافق مع ضعف منظومة الإشراف والمتابعة يُحوّل ورش العمل إلى قنابل موقوتة وسط التجمعات السكانية.

وتُشير التقارير المتداولة إلى أن ظاهرة البناء دون حواجز سلامة تتركز بصورة أشد في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تضيق الشوارع وتلتصق المباني ببعضها، فلا يبقى هامش كافٍ لعزل مواقع الأشغال عن الحركة اليومية للسكان.

المطالب: رقابة حقيقية لا وعود

يرفع السكان اليوم سقف مطالبهم ليتجاوز التعبير عن الغضب إلى المطالبة بخطوات إجرائية ملموسة: تفعيل آليات الإشراف الميداني على مواقع البناء، وفرض غرامات رادعة على المقاولين المخالفين لاشتراطات السلامة، وإلزام أصحاب المشاريع بتوفير حواجز فعلية تفصل مناطق الأشغال عن أماكن التجمع السكاني، لا سيما المدارس والشوارع التجارية.

ويرى المتابعون للشأن المقدسي أن هذه القضية تعكس في جوهرها أزمة حوكمة أعمق؛ إذ إن البنى التشريعية والإدارية المعنية بتطبيق معايير السلامة باتت عاجزة عن مواكبة الوتيرة المتسارعة للنشاط الإنشائي في المدينة، مما يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع مخاطر يفترض أن يتكفّل القانون بحمايته منها.

في نهاية المطاف، تبقى المعادلة الإنسانية بسيطة كما عبّر عنها سكان القدس بوضوح: لا قيمة لأي بناء يُشيَّد على حساب سلامة من يسكن بجواره.