د. محمود فراج يكتب.. مقترح لتبني قمة مصرية بين البريكس والكوميسا
أثناء متابعتي بشغف واهتمام لفاعليات مؤتمر "العلمين إفريقيا 2026"، وما شهدته المدينة الساحلية الواعدة من حضور قاري ودولي يعكس قدرة مصر على التحول إلى مركز ثقل إقليمي للمؤتمرات ورؤوس الأموال... دار في خاطري سؤال استراتيجي أراه ملحًا في هذه اللحظة التاريخية:"ماذا لو تبنت مصر رسميًا إطلاق قمة سنوية تجمع بين قاطرتي التعاون: تكتل البريكس (BRICS) وسوق الكوميسا (COMESA)... على أن تنطلق وتستقر دوريًا على أرض مصر؟
نحن نعيش اليوم في عالم يموج بـ التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، واضطرابات حادة في سلاسل إمداد الطاقة والغذاء، وضغوط متزايدة على النقد الأجنبي للدول الناشئة.
وفي وسط هذه الأمواج، تقف مصر بموقع جيو-اقتصادي فريد كـ "جسر إستراتيجي"؛ فهي عضو كامل في البريكس وبنك التنمية الجديد (NDB)، وفي الوقت نفسه قوة قائدة في الكوميسا ورئيسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية (النيباد).كيف يمكن لهذا اللقاء السنوي أن يشكل طوق نجاة وفرصة تحولية؟ لشعوب الكوميسا: الانتقال من تصدير الخامات الأولية إلى توطين التصنيع والقيمة المضافة، وحشد تمويلات ميسرة للبنية التحتية عبر بنك (NDB) بعيدًا عن الاشتراطات المجهدة. لتكتل البريكس: نفاذ آمن وتفضيلي لسوق يضم أكثر من 580 مليون مستهلك، وتأمين مستدام لسلاسل إمداد الغذاء والمعادن الاستراتيجية. لمصر: ترسيخ مكانتها كمركز لوجستي وصناعي لإعادة التصدير لإفريقيا، تخفيف الضغط على الدولار عبر توسيع آليات التسوية بالعملات الوطنية، وتسريع مشاريع الربط مثل "القاهرة - كيب تاون".
لقد قمت بصياغة هذه الرؤية الشاملة في ورقة تحليلية/دراسة مركزة تناقش الفرص، الأبعاد المؤسسية، وآليات مواجهة التحديات اللوجستية والتمويلية لتحويل الفكرة إلى واقع ملموس.
وأترككم مع التفاصيل.
الأبعاد الجيواقتصادية لمبادرة الشراكة بين تكتلي البريكس والكوميسا: الفرص، التحديات، والانعكسات على الاقتصاد المصري"
يقف الاقتصاد العالمي عند مرحلة تحول هيكلي نحو التعددية القطبية وتطوير آليات التعاون بين دول الجنوب العالمي. وفي هذا السياق، تمتلك مصر موقعًا إستراتيجيًا فريدًا؛ إذ جمعت رسميًا بين العضوية الكاملة في تكتل البريكس (BRICS) وانضمامها لبنك التنمية الجديد (NDB)، وبين دورها التاريخي والرائد كإحدى أكبر القوى الاقتصادية في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا - COMESA).
إن طرح مقترح مصري متبنى رسميًا لعقد لقاء واجتماع سنوي بين تكتلي البريكس والكوميسا — على أن تنطلق دورته الأولى والافتتاحية من مصر — يشكل مبادرة تحولية تهدف إلى ربط القدرات التمويلية والتكنولوجية لأكبر الاقتصادات الناشئة بالفرص الاستثمارية والأسواق الواعدة في القارة الإفريقية.
- أولًا: أبعاد المبادرة المصرية والإطار المؤسسي (دور النيباد ومؤتمر العلمين 2026)
1. تفعيل دور وكالة النيباد (AUDA-NEPAD) كمظلة قارية: تتيح المبادرة استغلال رئاسة مصر لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية (النيباد) لربط الأولويات التنموية القارية لأجندة 2063 بالقدرات التمويلية والتكنولوجية لتكتل البريكس. وتساهم الوكالة في نقل التكنولوجيا وتوطين التصنيع ودفع مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود ضمن إطار تعاون "جنوب - جنوب".
2. انعكاسات عقد قمة "العلمين إفريقيا 2026" الافتتاحية: يمثل اختيار مدينة العلمين الجديدة مقرًا للنسخة الأولى من هذا اللقاء فرصة لترسيخ مصر كمركز إقليمي للمؤتمرات والاستثمارات. كما يوفر المنتدى منصة ميدانية لإطلاع مستثمري البريكس على مقومات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ المصرية، والربط مع الممرات اللوجستية مثل مشروع "القاهرة - كيب تاون" الذي يستهدف تقليص مدة شحن البضائع داخل القارة.
- ثانيًا: العوائد الاقتصادية والتنموية على دول وشعوب الكوميسا
• توطين التصنيع والقيمة المضافة: يتيح المنتدى السنوي تفعيل مبادرة "صُنع في الكوميسا" عبر الاستفادة من الخبرات التكنولوجية والصناعية لدول البريكس لتحويل المواد الخام والمنتجات الزراعية الإفريقية إلى منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة عالية بدلًا من تصديرها كخامات أولية.
• جذب التدفقات الاستثمارية وتوسيع قاعدتها: شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول الكوميسا قفزة بنسبة 154% لتبلغ 65 مليار دولار عام 2024، واستحوذ الإقليم على 67% من إجمالي التدفقات المتجهة لإفريقيا. وتساعد القمة السنوية على توجيه هذه التدفقات نحو قطاعات النقل والزراعة والبنية التحتية والمياه في مختلف دول الإقليم.
• تطوير البنية التحتية عبر بنك التنمية الجديد (NDB): يتيح الربط المباشر حشد التمويلات الميسرة من بنك التنمية الجديد التابع للبريكس لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والمياه، والنقل الإقليمي بشروط تنموية ميسرة بعيدًا عن الاشتراطات المجهدة.
- ثالثًا: العوائد الاقتصادية والتنموية على دول وشعوب تكتل البريكس
• النفاذ لأسواق استهلاكية وانتاجية ضخمة: تتيح القمة لدول البريكس التمدد المباشر في سوق الكوميسا الذي يضم 21 دولة بتعداد سكاني يتجاوز 580 مليون نسمة، ويغطي نحو 41% من مساحة القارة الإفريقية.
• التصنيع والنفاذ بجمارك صفرية: يوفر إقامة استثمارات صناعية على الأراضي المصرية ودول الكوميسا فرصة للسلع والمنتجات للنفاذ إلى أسواق أكثر من 50 دولة إفريقية بإعفاء جمركي كامل في إطار منطقتي التجارة الحرة للكوميسا والتجارة الحرة القارية (AfCFTA).
• تأمين سلاسل الإمداد والموارد: يضمن التكتل تدفقًا مستدامًا للمعادن والموارد الطبيعية والمنتجات الزراعية الشائعة في إقليم الكوميسا لتغذية الصناعات العالمية.
- رابعًا: العوائد المباشرة على التنمية الاقتصادية في مصر
1. ترسيخ مصر كمركز لوجستي وصناعي إقليمي: يساهم التنسيق بين البريكس والكوميسا في توطين الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل المناطق الصناعية واللوجستية المصرية لإعادة تصديرها إلى الأسواق الإفريقية بجمارك صفرية.
2. تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي: يدعم الشمول المالي وتوسيع آليات تسوية التعاملات التجارية بالعملات الوطنية بين البريكس والدول الإفريقية تخفيف الطلب على الدولار تقليلًا لمخاطر الصرف.
3. نمو الصادرات المصرية والخدمات الفنية: يعزز المفهوم التكاملي نفاذ الصادرات المصرية (كالكيماويات، ومواد البناء، والأدوية، والسلع الهندسية) نحو الأسواق الإفريقية، إلى جانب تصدير الخدمات الفنية وأعمال المقاولات للشركات المصرية.
4. تعظيم الاستفادة من بنك التنمية الجديد (NDB): تتيح العضوية لمصر — بصفتها تمتلك حصة تصويتية تبلغ 2.1% ورأس مال مكتتب بقيمة 1.196 مليار دولار — الحصول على تمويلات ميسرة لمشروعات البنية التحتية والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
- خامسًا: ربط مشروعات النيباد بفرص تمويل بنك التنمية الجديد (NDB)
يمثل الربط المباشر بين المشروعات الإقليمية المعتمدة لدى وكالة النيباد وآليات بنك NDB خطوة عملية لتعبئة الموارد؛ حيث يمتلك بنك التنمية الجديد محفظة مشروعات معتمدة تجاوزت 35 مليار دولار عبر 105 مشروعات في قطاعات البنية التحتية المستدامة والطاقة والمياه. ويسمح تقديم النيباد لدراسات جدوى جاهزة للمشروعات العابرة للحدود بحشد التمويل بالعملات المحلية لتقليل أعباء الديون وصدمات أسعار الصرف على الدول الإفريقية.
- سادسًا: التحديات المرتقبة وسبل مواجهتها
• عجز البنية التحتية واللوجستيات: تظل فجوة الاستثمارات في قطاعات النقل المائي والبري عقبة أمام سهولة التبادل، مما يتطلب إعطاء الأولوية لمشروعات الربط القاري.
• القيود غير الجمركية والتركز الاستثماري: يتركز نحو 90% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الكوميسا في 5 دول فقط (من بينها مصر وإثيوبيا وكينيا)، ما يحتم وضع آليات شمولية لتوسيع قاعدة الدول المستفيدة وإزالة القيود الإدارية والجمركية البينية.
• التنافس الجيوسياسي: يستلزم التنسيق بين التكتلين بناء توافقات مؤسسية تحافظ على استقرار البيئة الأمنية والتجارية وتضمن استدامة المبادرات.
لذا،فإن تبني مصر لعقد قمة سنوية تجمع بين بريكس والكوميسا يعكس رؤية إستراتيجية تعزز مكانة القاهرة كمهندس رئيسي للربط الاقتصادي بين تكتل دولي يمتلك نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتكتل إفريقي يغطي 41% من مساحة القارة. وتكون قمة العلمين الافتتاحية حجر الزاوية لتحويل هذه الشراكات إلى مشاريع تنموية ملموسة تحقق الرخاء لشعوب الجنوب العالمي.
د. محمود احمد فراج
متخصص فى الاقتصاد الافريقى
دكتوراه اقتصاد كلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة