ذهبوا للنجاة فماتوا هناك.. مأساة 7 ضحايا داخل مصحة لعلاج الإدمان في بنها
"عبد الرحمن، علاء، عبد الله، ياسر م، أحمد، ياسر س، وزياد".. سبعة شباب دخلوا مركزًا صحيًا لعلاج الإدمان بمدينة بنها حاملين أمل التعافي، فخرجت جثامينهم محمولة على الأعناق. لم يقتلهم الإدمان، بل المكان الذي قيل لهم إنه طريق النجاة.
عبد الرحمن، شاب عشريني متفوق دراسيًا، سافر للخارج لدراسة الصيدلة، حالمًا بشهادة ترفع رأس والده. عاد في إجازة قصيرة، ولاحظت أسرته تغيرًا لم تستطيع تجاهله. في لحظة صدق اعترف لوالده بإدمانه وخوفه على مستقبله. لم يدنه الأب، بل اصطحبه إلى المصحة بحثًا عن بداية جديدة. الباب الذي دخلاه بحثًا عن العلاج، أغلق لاحقًا على مأساة لم يخرجا منها: الابن إلى المشرحة، والأب إلى أسئلة لا تنتهي.
لم يمت عبد الرحمن هاربًا من العلاج، بل محبوسًا داخله، مثل علاء، الابن الثالث لأسرة فقدت شقيقيه في حادث سير، والذي فقد حياته هذه المرة خلف قضبان الحديد في شقة تحولت إلى مصحة بقرار إداري.
في السادسة مساء الاثنين، بينما كانت الشوارع شبه خالية لمتابعة مباراة المنتخب المصري أمام بنين، تسللت النيران بهدوء قاتل داخل شقة سكنية بمنطقة الجامعة في بنها.
المصحة مكونة من طابقين: الطابق الأرضي يضم مكتب الأطباء وثلاث غرف للنزلاء وغرفة للمشرفين والتمريض، وسلم داخلي يؤدي إلى الطابق الأول العلوي الذي يضم ثلاث غرف أخرى للنزلاء.
اشتعال النار بدأ في الغرفة الخلفية بالطابق الأول، التي تضم السلم الموصل للطابق، ما جعل النيران تحاصر النزلاء. نوافذ الشقة كانت محاطة بقضبان حديدية أُغلقت بإحكام لمنع الهروب، لتتحول في لحظة الحريق إلى قيود قاتلة.
الدخان ملأ الغرف بسرعة، فأغلق على أنفاس 11 شابًا، وسقطوا واحدًا تلو الآخر. سبعة منهم لفظوا أنفاسهم على أرض الغرف، وآخرون حاولوا الزحف نحو مخارج غير موجودة.
الأهالي كانوا يصرخون ويطرقون الأبواب بعنف، لكن دون جدوى. لا مخارج طوارئ، لا سلالم نجاة، ولا تصميم يراعي وجود البشر. اضطر البعض إلى كسر حائط كامل لمحاولة إنقاذ من تبقى أحياء، فيما واجهت فرق الحماية المدنية صعوبات غير عادية للوصول للنزلاء.
عندما تمكنت القوات أخيرًا من الدخول، وجدت الضحايا ملقين في غرف متفرقة؛ بعضهم حاول الزحف، والبعض الآخر استسلم للاختناق في صمت. حتى بعد وصول سيارات الإسعاف، أصبح نقلهم مهمة شاقة استنزفت الوقت، ربما بين فارق الحياة والموت.
بعد إخماد الحريق، نُقل الضحايا السبعة إلى مستشفى بنها التعليمي وسط حراسة أمنية مشددة، وأجريت لهم محاولات إنعاش قلبي رئوي استمرت 40 دقيقة، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، قبل نقل الجثامين إلى المشرحة لاستكمال الإجراءات القانونية.
المشهد في المشرحة كان انفجارًا جماعيًا للألم والغضب: أمهات غطين الجثث بالبطاطين، وآباء يحدقون في وجوه أبنائهم المحترقة أو المختنقة، وأقارب وجيران يطرحون السؤال نفسه: كيف انتهت حياة أبنائهم في مكان قيل إنه للعلاج؟
حادث بنها لم يكن الأول. قبل أيام شهدت محافظة الجيزة هروبًا جماعيًا لنزلاء إحدى المصحات غير المرخصة، وانتشرت مقاطع الفيديو لشباب يركضون حفاة في الشوارع هاربين من مصحة يفترض أنها تعالجهم.
عقب هذه الواقعة، أعلنت وزارة الصحة عن إغلاق 18 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي في القاهرة والقليوبية والشرقية، لمزاولة النشاط دون تراخيص ومخالفة الاشتراطات الصحية والقانونية.
تشير البيانات الرسمية إلى وجود 284 مركزًا مرخصًا لعلاج الإدمان على مستوى الجمهورية، تقدم خدمات العلاج المجاني تحت إشراف الأمانة العامة للصحة النفسية وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان.
في بنها، أصدرت مديرية الشؤون الصحية بالقليوبية قرارًا عاجلًا بإغلاق مركز "الأمان" بشكل مؤقت إلى حين انتهاء التحقيقات. المفارقة أن الدكتور أسامة الشلقاني، وكيل وزارة الصحة بالمحافظة، أكد أن المصحة "مرخصة رسميًا" وتخضع لمرور دوري من لجنة العلاج الحر، ما يرفع علامات الاستفهام حول دور التفتيش الدوري في ضمان السلامة.
الأسئلة القانونية توسعت: من وافق على تحويل شقتين سكنيتين إلى مصحة دون مخارج طوارئ آمنة؟ أين ذهبت اشتراطات السلامة؟ كيف رُكبت القضبان الحديدية دون رادع؟
القوانين المصرية تشترط لمراكز علاج الإدمان معايير واضحة: مخارج طوارئ صالحة، تهوية تمنع الدخان من التحول إلى قاتل، أنظمة إنذار مبكر، وتوازن بين منع الهروب وضمان الإخلاء عند الخطر. في مصحة بنها، طابقان مشغولان، الحريق بدأ في غرفة خلفية، والنوافذ محاطة بقضبان بلا بدائل آمنة.
النيابة الإدارية وثقت الوضع، ناقشت اشتراطات الترخيص، نمط التفتيش، ومدى توافر الحماية المدنية والسلامة المهنية، وطالبت بتقرير مفصل لمعرفة ما إذا كانت الكارثة نتيجة مخالفة فردية أم تقصير منظومي.
الإهمال لم يتوقف عند إدارة المركز، بل امتد للجهات الرقابية التي تمنح الترخيص وتراجع دوريًا.
من فجر الثلاثاء، توافدت أسر الضحايا لانتظار استلام الجثامين، وسط صدمة وانهيار تام، بينما الإعلان عن استلام الجثامين كان بعبارات رسمية باردة، كأن الضحايا مجرد ملفات، لا أسماء عاشت وخافت وماتت خلف باب قيل إنه للعلاج.
وفي أعقاب الحادث، أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق 32 مركزًا غير مرخّص لعلاج الإدمان والطب النفسي في الإسكندرية والشرقية والبحيرة والدقهلية، نتيجة مزاولة النشاط دون تراخيص ومخالفة الاشتراطات الصحية والقانونية.