المشجع الظاهرة.. من هو باتريس لومومبا الذي أحيت مدرجات كأس الأمم الأفريقية 2025 اسمه؟
لم تقتصر الأضواء في بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 على المستطيل الخضر فحسب، بل خلّفت أيضًا صورة أيقونية خالدة للبطولة، والتى كانت من إبداع مشجع منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، ميشيل كاكو أومانجيلا.
وحتى بعد خروج المنتخب الكونغولى من دور الـ16 فى كأس الأمم الأفريقية 2025، أصبح هذا المشجع البالغ من العمر 26 عامًا، أحد أبرز نجوم البطولة، وذلك بعد أن جسّد صورة باتريس لومومبا - البطل القومى للكونغو، أول رئيس وزراء للبلاد، ورمز نضال أفريقيا من أجل الحرية والكرامة.

وظل المشجع الكونغولى طوال مدة مباراة الكونغو ضد الجزائر، بلا حراك، رافعًا ذراعه، كتمثال حى، ولم يتحرك طوال التسعين دقيقة من الوقت الأصلى والوقت الإضافى، دون أن يغيّر وضعيته أو تعبير وجهه.
والأهم من ذلك، أنه لم يفعل هذه اللافتة مرة واحدة فحسب، بل كرر ميشيل هذا الطقس خلال جميع المباريات الأربع التى خاضتها جمهورية الكونغو الديمقراطية فى البطولة.
ومع تداول صوره وهو واقفًا كـ«تمثال بشري»، تساءل العديد من مشجعى كرة القدم، عن من هو باتريس لومومبا؟

مولد المناضل الأفريقي

وُلد لومومبا فى قرية أونالوا بمقاطعة كاساى فى الكونغو البلجيكية (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا)، كان ينتمى إلى جماعة باتيتيلا العرقية الصغيرة، وهو ما أصبح ذا أهمية بالغة فى حياته السياسية اللاحقة.
وبعد التحاقه بمدرسة تبشيرية بروتستانتية، انتقل لومومبا للعمل فى مدينة كيندو، حيث انخرط فى نادى المثقفين (الأفارقة المتعلمين غربيًا)، وبدأ بكتابة المقالات والقصائد فى الصحف الكونغولية، كما تقدم بطلب للحصول على الجنسية البلجيكية الكاملة وحصل عليها.
وانتقل لومومبا بعد ذلك إلى ليوبولدفيل (كينشاسا حاليًا) ليعمل كاتبًا فى مكتب البريد، ثم أصبح محاسبًا فى مكتب البريد فى ستانليفيل (كيسانغانى حاليًا)، وهناك واصل المساهمة فى الصحافة الكونغولية.
الانخراط السياسي

فى عام 1955، أصبح لومومبا رئيسًا إقليميًا لنقابة عمالية كونغولية خالصة لموظفى الحكومة، لم تكن تابعة، على عكس النقابات الأخرى، لأى من اتحادى النقابات العمالية البلجيكيين (الاشتراكى والكاثوليكي)، كما انخرط فى الحزب الليبرالى البلجيكى فى الكونغو.
وفى عام 1956، دُعى لومومبا مع آخرين فى جولة دراسية إلى بلجيكا برعاية وزير المستعمرات، ولدى عودته، أُلقى القبض عليه بتهمة اختلاس أموال من مكتب البريد، وبعد عام، وبعد تخفيف الحكم عدة مرات، أُدين وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 شهرًا وغرامة مالية.
وبعد خروجه من السجن، ازداد نشاطه السياسى، ففى أكتوبر 1958، أطلق، مع قادة كونغوليين آخرين، الحركة الوطنية الكونغولية (Mouvement National Congolais; MNC)، أول حزب سياسى كونغولى على مستوى البلاد.
وفى ديسمبر، حضر المؤتمر الأول لشعوب عموم أفريقيا فى أكرا، غانا، إذ التقى بقوميين من مختلف أنحاء القارة الأفريقية، وانضم إلى المنظمة الدائمة التى أنشأها المؤتمر، واتخذت رؤيته ولغته، المستوحاة من أهداف الوحدة الأفريقية، طابع القومية المتشددة.
وبعد إعلان الحكومة البلجيكية برنامجًا يهدف إلى استقلال الكونغو، بدءًا بانتخابات محلية فى ديسمبر 1959، وقعت أحداث شغب فى 30 أكتوبر،إذ وقعت اشتباكات فى ستانليفيل أسفرت عن مقتل 30 شخصًا. سُجن لومومبا بتهمة التحريض على الشغب.
بعدها قررت الحركة تغيير استراتيجيتها، فدخلت الانتخابات، وحققت فوزًا ساحقًا فى ستانليفيل (90% من الأصوات)، وفى يناير 1960، دعت الحكومة البلجيكية إلى مؤتمر مائدة مستديرة فى بروكسل ضمّ جميع الأحزاب الكونغولية لمناقشة التغيير السياسى، لكن الحركة الوطنية الكونغولية رفضت المشاركة دون لومومبا، فأُطلق سراحه من السجن ونُقل جوًا إلى بروكسل.
اتفق المؤتمر على موعد الاستقلال، 30 يونيو، مع إجراء انتخابات وطنية فى مايو، ورغم تعدد الأحزاب، حقق المؤتمر الوطنى المتعدد الأحزاب تقدمًا كبيرًا فى الانتخابات، وبرز لومومبا كزعيم سياسى قومى بارز فى الكونغو، وفشلت محاولات منعه من تولى السلطة، وكُلِّف بتشكيل أول حكومة، وهو ما فعله فى 24 يونيو 1960.
الإقالة والاعتقال والاغتيال

فى الخامس من سبتمبر 1960، قرر الرئيس جوزيف كاسافوبو، إقالة لومومبا، لكن الأخير طعن فورًا فى شرعية هذه الخطوة؛ ونتيجةً لهذا الخلاف، ظهرت مجموعتان تدعيان أحقيتهما فى الحكم المركزى، وفى الرابع عشر من سبتمبر، استولى قائد الجيش الكونغولى، العقيد جوزيف موبوتو، على السلطة، ثم توصل لاحقًا إلى اتفاق عمل مع كاسافوبو، وفى نوفمبر، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشرعية حكومة كاسافوبو، وانقسمت الدول الأفريقية المستقلة انقسامًا حادًا حول هذه القضية.
وفى غضون ذلك، فى أكتوبر، وُضع لومومبا رهن الإقامة الجبرية فى ليوبولدفيل، تحت حراسة قوات موبوتو وقوات الأمم المتحدة التى وفرت له الحماية، وبعدها فرّ لومومبا من الإقامة الجبرية وحاول السفر إلى ستانليفيل، حيث كان أنصاره يسيطرون على المنطقة، إلا أن قوات موبوتو ألقت القبض عليه فى 2 ديسمبر.
واحتُجز لومومبا فى البداية فى معسكر عسكرى فى تيسفيل، لكن المخاوف من تعاطف الجنود هناك معه دفعت السلطات البلجيكية والكونغولية والكاتانغية إلى ترتيب نقله إلى موقع آخر اعتبرته أكثر أمانًا، وهو موقع كان من شأنه أن يضمن موته على الأرجح.
وفى 17 يناير 1961، نُقل لومومبا ورفيقاه، جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، جوًا إلى إليزابيثفيل (لوبومباشى حاليًا)، وسُلموا إلى النظام الانفصالى فى كاتانغا ومستشاريه البلجيكيين، إذ تعرضوا للضرب على أيدى الجنود المرافقين لهم أثناء الرحلة، وتعرضوا للضرب مجددًا فور وصولهم إلى كاتانغا.
وفى وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم لومومبا وأوكيتو ومبولو رميًا بالرصاص تحت قيادة بلجيكية، ورغم أن جثثهم دُفنت فى البداية فى قبور ضحلة، إلا أنها نُبشت لاحقًا بتوجيه من ضباط بلجيكيين، وقُطعت إلى أشلاء، ثم أُذيبت فى حمض أو أُحرقت.
وحجبت حكومة كاتانغا الإعلان الرسمى عن وفاته حتى 13 فبراير، ثم زعمت أن لومومبا هرب من قبضتها وعثر عليه القرويون الذين قتلوه، إلا أن شائعات وفاته انتشرت بعد وقت قصير من وقوعها، وسرعان ما تم دحض رواية الحكومة لوفاته، على الرغم من أن الأمر استغرق عقودًا قبل الكشف عن ملابسات وفاته بالكامل.
وأثارت وفاته فضيحة فى جميع أنحاء أفريقيا وخارجها؛ حتى أن أعداءه، فى وقت لاحق، أعلنوا أنه بطل قومى.
