د. وائل كامل يكتب: "أستاذ دكتور بربع جنيه".. دكتوراه الفلسفة بربط مالي 80 جنيه

د. وائل كامل
د. وائل كامل

لا تحتاج أزمة الأستاذ الجامعي في مصر إلى تقارير طويلة لشرحها، أحيانًا يكفي رقم صغير للغاية لفهم حجم المأساة.

ثلاثة جنيهات فقط!!!

هذا هو الفارق السنوي في العلاوة الدورية بين الأستاذ الجامعي والأستاذ المساعد وفق التعديلات التي أُقرت منذ عقود، أي أن الترقية العلمية التي تتطلب سنوات طويلة من البحث العلمي والتحكيم والنشر والترقي الأكاديمي تنتهي – في الحساب الرسمي – بزيادة سنوية مقدارها ثلاثة جنيهات، وعند تحويل هذا الرقم إلى حساب شهري يصبح الفارق نحو ربع جنيه فقط استاذ دكتور بربع جنية علاوة.

ربع جنيه شهريًا هو القيمة التي يضعها النظام المالي للفارق بين درجتين علميتين في قمة الهرم الأكاديمي.

المشكلة هنا ليست في هذا الرقم وحده، بل في ما يكشفه، فهو يعكس ببساطة أن النظام المالي الذي يحكم رواتب أعضاء هيئة التدريس ما زال يعيش في زمن اقتصادي مضى عليه أكثر من نصف قرن يقوم على القروش التي تم الغاءها. 

فجدول الرواتب ما زال قائمًا في جوهره على قانون تنظيم الجامعات الصادر عام 1972، وهو قانون وُضع في زمن كانت فيه قيمة الجنيه مختلفة تمامًا وكانت تكاليف الحياة أقل بما لا يقارن بما هي عليه اليوم.

ومع تغير الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار لم يُعاد بناء هذا الجدول بما يتناسب مع الواقع الجديد، بل جرى التعامل مع المشكلة بطريقة أخرى: إضافة بدلات وحوافز وتفتيت الراتب كلما اتسعت الفجوة بين الراتب وتكاليف المعيشة.

 وهكذا تحول راتب الأستاذ الجامعي إلى منظومة غير متوازنة؛ راتب أساسي ضعيف للغاية تحيط به طبقات من البدلات والمتغيرات.

هذه المعالجة المؤقتة خلقت نظامًا ماليًا مرتبكًا. فالأستاذ الجامعي لا يتقاضى راتبًا واضح المعالم بقدر ما يحصل على مجموعة أرقام متفرقة: بدل جامعة، حافز جودة، ساعات مكتبية بدل امتحانات بدل ريادة... وكلها بنسب ضئيله كمتغيرات وتم تثبيتها على اساسي راتب منذ عام ٢٠١٥،. أما الراتب الأساسي نفسه فقد أصبح رقمًا هامشيًا مقارنة ببقية المكونات.

والمفارقة أن هذا الوضع انعكس أيضًا على المعاشات، فمعظم هذه البدلات لا تدخل في حساب المعاش، مما يعني أن الأستاذ الجامعي الذي قضى أربعين عامًا في التدريس والبحث العلمي قد ينتهي به الحال بعد التقاعد إلى معاش لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه.

هذا ليس مجرد رقم ضعيف، بل مؤشر خطير على خلل عميق في منظومة تقدير العلم، كيف يمكن لعالم أفنى عمره في التعليم والبحث أن يواجه سنواته الأخيرة بهذا الدخل المحدود؟ وكيف يُطلب من الأستاذ الجامعي أن يقود عملية تطوير علمي وتنافسية عالمية بينما هو نفسه يعيش تحت ضغط اقتصادي دائم يضعه كمحدود الدخل او اقل؟

المفارقة الأكثر قسوة أن الجامعات نفسها تواجه في الوقت الحالي موجة انتقادات بسبب بعض التخصصات التي يقال إنها بلا فائدة أو لا تمتلك سوق عمل، لكن قبل طرح هذا السؤال يجب طرح سؤال آخر أكثر خطورة: ما هو وضع المجتمع الجامعي نفسه؟

هل يمكن لجامعة تعاني من ضعف الموارد البشرية وهجرة الكفاءات وتراجع الأوضاع المعيشية لأعضائها أن تطور برامجها التعليمية؟ وهل يمكن لمن يعمل تحت ضغط اقتصادي دائم وكل تفكيره في كيفية انتهاء الشهر بدون اقتراض أن يقود البحث العلمي أو الابتكار؟

الواقع يشير إلى أن المشكلة بدأت بالفعل تؤثر على بنية التعليم العالي، فضعف الأوضاع المالية يدفع كثيرًا من الكفاءات العلمية إلى البحث عن فرص أفضل خارج البلاد وعزوف الكفاءات عن التعيين كمعيدين، أو إلى ترك العمل الأكاديمي تدريجيًا لصالح أعمال أخرى توفر دخلًا أكثر استقرارًا. ومع استمرار هذا الوضع يصبح السؤال الحقيقي: هل الجامعات المصرية على أعتاب أزمة كفاءات حقيقية؟

وإذا كان البعض يتحدث اليوم عن تخصصات بلا سوق عمل، فإن الخطر الأكبر قد يكون في أن الجامعات نفسها تفقد تدريجيًا من يستطيعون تطوير هذه التخصصات أو تحديثها.

الأزمة إذن ليست أزمة رواتب فحسب، بل أزمة مستقبل للتعليم العالي كله. لأن الجامعة لا تقوم بالمباني ولا باللوائح، بل بالعقول التي تعمل داخلها. وإذا كان هؤلاء يعيشون في ظل نظام مالي يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الأزمة على جودة التعليم والبحث العلمي.

الحل لا يمكن أن يكون بزيادة بدل هنا أو حافز هناك، المطلوب إصلاح جذري يبدأ بإعادة بناء جدول رواتب أعضاء هيئة التدريس بالكامل بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي ليتساوي مع النسب العالمية لاساتذة الجامعات بدول اخرى، ورفع نسبة الراتب الأساسي ودمج معظم البدلات فيه، حتى يصبح الدخل واضحًا ومستقرًا وينعكس بصورة عادلة على المعاش بعد التقاعد.

كما يجب مراجعة منظومة الحوافز والمتغيرات وتوحيد قواعد حسابها، لانه بعد تطبيق منظومة البيرول انخفضت الرواتب اكثر وطبقت ضرائب على العلاوات المضافة للراتب بالمخالفة للقانون الذي يعفيها،  مطلوب وضع نظام مالي شفاف يضمن العدالة بين أعضاء هيئة التدريس ويعيد للوظيفة الجامعية مكانتها الحقيقية.

إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن المجتمع الجامعي يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير. فإما إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار لمن يحملون عبء التعليم والبحث العلمي، أو استمرار التآكل التدريجي الذي قد يؤدي في النهاية إلى فقدان واحدة من أهم ركائز الدولة الحديثة.

ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الجامعات وحدها، بل على الدولة بأكملها. ويجب أن يكون هذا الملف حاضرًا بقوة أمام الحكومة وأعضاء مجلس النواب، لأن مستقبل التعليم العالي ليس قضية فئوية تخص الأساتذة وحدهم، بل قضية وطنية تمس مستقبل العلم والتنمية في مصر.

فالدول لا تفقد علماءها فجأة، بل تبدأ الخسارة تدريجيًا عندما يشعر الباحث أن المجتمع لم يعد يقدر علمه، وعندها يصبح الرحيل خيارًا منطقيًا.

وما لم يُعالج هذا الخلل سريعًا، فقد يأتي يوم نجد فيه الجامعات المصرية تبحث عن العلماء الذين كان يمكن أن يبقوا فيها لو شعروا أن وطنهم يقدر قيمة العلم.

دكتور/ وائل كامل 

عضو هيئة تدريس بجامعة العاصمة (حلوان سابقا)