الحركة تريد تمديد الوضع الحالي.. إحباط إقليمي ودولي من مماطلة حماس
تخيم حالة من الإحباط الشديد على أروقة المفاوضات الجارية، حيث تشير تقارير دبلوماسية متواترة إلى وجود حالة من الاستياء المتصاعد لدى الوسطاء الإقليميين والدوليين من المسار الذي تتخذه حركة حماس في إدارة جولات التفاوض الأخيرة.
"تكتيك الوقت": اتهامات بالمماطلة
وفقًا لمصادر مطلعة ومقربة من كواليس المفاوضات، بات هناك اقتناع متزايد لدى أطراف الوساطة بأن حركة حماس تتعمد "المماطلة" في الردود، وتضع شروطًا تعجيزية تهدف بشكل أساسي إلى تمديد الوضع القائم وتأجيل اتخاذ قرارات حاسمة.
وينقل أحد المصادر الدبلوماسية، الذي فضل عدم الكشف عن هويته لحساسية الموقف، قوله: "إن حماس تستخدم المفاوضات كأداة سياسية لتمديد الوضع الراهن، دون أن نلمس نية حقيقية أو مرونة كافية للوصول إلى اتفاق نهائي ومستدام".
ويضيف المصدر أن كل جولة تنتهي بالعودة إلى المربع الأول، مما يثير تساؤلات جدية لدى الوسطاء حول مدى جدية الحركة في إنهاء الأزمة الإنسانية وتخفيف معاناة السكان في قطاع غزة.
تحركات جديدة للوسطاء
في ظل هذا الجمود، بدأت الدول الضامنة للعملية، وفي مقدمتها دول عربية، بالإضافة إلى شركاء دوليين، في إعادة تقييم استراتيجياتها. وبحسب المعلومات الواردة، فإن هناك دراسة جدية لاتخاذ "خطوات تصحيحية" أو ضغوط أكثر فاعلية لكسر حالة الجمود.
وتشير التقديرات إلى أن الوسطاء لم يعودوا مستعدين للقبول بصيغة "المفاوضات من أجل المفاوضات"، حيث يشدد المسؤولون على أن الوقت بات عاملًا حاسمًا لا يحتمل مزيدًا من المناورات. وفي هذا الصدد، يؤكد مصدر دبلوماسي: رسالتنا واضحة: نحن بحاجة إلى التزام حقيقي وملموس من كافة الأطراف، لا مجال لتضييع المزيد من الوقت في صياغات لا تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض".
إن استمرار حالة التعثر في المفاوضات ينعكس بشكل مباشر على تدهور الأوضاع الميدانية والإنسانية، حيث يرى مراقبون أن غياب "الإرادة السياسية" لدى حماس – وفق وجهة نظر الوسطاء – يحول دون تحقيق اختراق حقيقي. بينما تواصل الأطراف الدولية تحذيراتها من أن استمرار هذا المنهج قد يؤدي إلى فقدان الزخم الدولي، ويدفع باتجاه تصعيد إضافي قد يخرج عن السيطرة.
بينما تصر الأطراف الدولية على ضرورة التوصل لصفقة تنهي الحرب، تظل العقبات التي تضعها حركة حماس هي العائق الأكبر أمام تحقيق اختراق يرضي جميع الأطراف. وبات واضحًا أن "صبر الوسطاء" قد نفد، وأن الأيام المقبلة قد تشهد تحولات في مسار الوساطة، سواء عبر طرح مقترحات أكثر صرامة أو من خلال تغيير في أسلوب الضغط السياسي الممارس على الحركة لانتزاع مواقف عملية تنهي حالة الاستعصاء السياسي الحالي.
لا تقتصر كلفة المماطلة التي يمارسها المفاوضون على الجانب السياسي أو الأمني فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على الواقع الإنساني الكارثي داخل قطاع غزة. ففي الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات بسبب تبادل الاتهامات، يظل مئات الآلاف من المدنيين عالقين في دائرة من المعاناة التي تتفاقم يومًا بعد يوم، وهو ما يضعه الوسطاء الآن كأولوية قصوى تزيد من حدة إحباطهم.
يؤكد المراقبون للشأن الإنساني أن إطالة أمد التفاوض تعني عمليًا استمرار تجميد تدفق المساعدات الإغاثية والطبية بالوتيرة المطلوبة. فكل يوم يمر دون اتفاق يعني المزيد من الضحايا، وتعمق الأزمة الغذائية والصحية، وتفشي الأوبئة في مراكز الإيواء المكتظة. ويشير تقرير حديث لمنظمات دولية إلى أن "الوقت" في غزة ليس مجرد رقم على أجندة المفاوضين، بل هو الفرق بين الحياة والموت لآلاف الجرحى والمرضى الذين لا يجدون الرعاية اللازمة نتيجة انهيار المنظومة الصحية.
هناك قناعة لدى أوساط إنسانية ودبلوماسية بأن حماس، من خلال إصرارها على مسارات تفاوضية طويلة ومعقدة، تساهم -بقصد أو بدون قصد- في استنزاف الموارد المحدودة المتبقية. وتضيف المصادر أن استراتيجية "كسب الوقت" التي تعتمدها الحركة تبدو متناقضة مع حجم الكارثة التي يعيشها الغزيون. يقول أحد الخبراء في الشؤون الإنسانية: *"حين تتحدث عن مماطلة سياسية، فأنت تتحدث بالضرورة عن تأخير في إيجاد ممرات آمنة، وعن عرقلة لعمليات الإعمار والإنقاذ، مما يجعل المواطن البسيط هو الرهينة الحقيقية في هذه اللعبة السياسية المعقدة"*.
هذا البعد الإنساني هو ما يدفع الوسطاء الدوليين اليوم إلى رفع سقف ضغوطهم؛ فالأمر لم يعد يتعلق فقط ببنود اتفاق أو تبادل أسرى، بل بوقف النزيف البشري. يشعر الوسطاء أن المسؤولية الأخلاقية تفرض عليهم تجاوز العقبات التي تضعها قيادة الحركة في الخارج، ومحاولة إيجاد صيغ لا تربط "الاحتياجات الإنسانية الملحة" بـ "المطالب السياسية التعجيزية".
في المحصلة، يرى المجتمع الدولي أن استمرار حماس في هذه السياسة يحول دون خلق أي انفراجة إنسانية حقيقية، مما يضع الحركة في مواجهة مباشرة مع الرأي العام الداخلي والخارجي الذي بات يرى في كل يوم ضائع دون اتفاق، فصلًا جديدًا من فصول التضحية بالمدنيين من أجل مكاسب تفاوضية لا تزال بعيدة المنال.