< وجعٌ يفوق القصف: عندما يصبح الرغيف ثمنًا للكرامة في غزة
 صورة لايف
رئيس التحرير

وجعٌ يفوق القصف: عندما يصبح الرغيف ثمنًا للكرامة في غزة

وجعٌ يفوق القصف:
وجعٌ يفوق القصف: عندما يصبح الرغيف ثمنًا للكرامة في غزة

بينما تنشغل شاشات التلفزة بإحصاء عدد الغارات والضحايا، تدور في "الزوايا المعتمة" لخيام النازحين في غزة حربٌ من نوع آخر؛ حربٌ لا يُسمع فيها دويّ انفجارات، بل يُسمع فيها انكسار القلوب. هنا، حيث تلاشت كل مقومات الحياة، وجدت النساء أنفسهن أمام خيارين أحلاهما علقم: إما الموت جوعًا مع أطفالهن، أو الوقوع في فخ الابتزاز والاستغلال الجنسي مقابل حفنة من الطحين أو بضعة دولارات، يأتي ذلك كله وسط اتهامات متكررة لنشطاء من حماس باستغلال نفوذهم والتعامل بسوء مع نساء مساكين يحتاجون للمساعدة في غزة.

المجاعة كأداة للتركيع

لم يعد الجوع في غزة مجرد "أمعاء خاوية"، بل تحول إلى "سلاح" يستخدمه ضعاف النفوس والمستغلون لنهش ما تبقى من كرامة النازحات. التقارير الصادرة عن جهات دولية مثل AP والأمم المتحدة، ترسم صورة قاتمة لمجتمع انهار فيه الضبط الاجتماعي، وحلّ محله "قانون الغابة" حيث يملك القوي (من لديه الطعام أو المال) حق التحكم في مصير الضعيف (المرأة التي فقدت معيلها).

سلاح الجوع والمساومة

وفقًا لتحقيق موسع نشرته وكالة أسوشيتد برس (AP) في أواخر عام 2025، وثقته شهادات حية، فإن بعض العاملين في توزيع المساعدات، أو القائمين على إدارة مراكز الإيواء، وبعض السماسرة المحليين، استغلوا نفوذهم للضغط على النساء. تشير التقارير إلى أن الاستغلال لا يبدأ دائمًا بالاعتداء المباشر، بل يبدأ بـ "مساومات ناعمة"؛ طلب أرقام الهواتف، طلب صور خاصة، أو اشتراط "جلسات خاصة" مقابل إدراج الاسم في قوائم الطرود الغذائية أو الحصول على خيمة.

صرخات من خلف القماش المهترئ: شهادات حية

الشهادة الأولى: (أم محمد - 42 عامًا، أرملة)
"أطفالي الخمسة لم يتذوقوا الخبز منذ ثلاثة أيام. ذهبتُ إلى أحد الأشخاص الذين يديرون توزيع المساعدات في منطقتنا. نظر إليّ بنظرة لم أفهمها في البداية، ثم قال لي بهدوء مخيف: 'يمكنني أن أعطيكِ طردًا كاملًا يكفيكِ شهرًا، لكن ليس هنا.. تعالي إلى بيتي ليلًا لنناقش التفاصيل'. عدتُ إلى خيمتي وأنا أشعر أنني جثة تسير على الأرض. بكيتُ ليس لأنني جائعة، بل لأن جوع أطفالي جعلني عرضة لذئاب بشرية تنهش لحمي بعيونها."

الشهادة الثانية: (ريم - 24 عامًا، طالبة جامعية نازحة)
"الابتزاز لم يعد جسديًا فقط، بل رقميًا أيضًا. أحد الموظفين في مؤسسة إغاثية محلية حصل على رقمي بحجة تسجيل اسمي في منحة مالية. بدأ يرسل لي رسائل بذيئة ويطلب مني صورًا خاصة، مهددًا إياي بحذف اسمي من القوائم إذا لم أستجب. صرتُ أرتجف كلما رنّ هاتفي. في غزة، صرنا نخاف من 'المساعدات' أكثر مما نخاف من الصواريخ."

الشهادة الثالثة: (هبة - 35 عامًا، أم لطفل مريض)
"كنت أحتاج لمبلغ بسيط لشراء دواء لابني المصاب بالتهاب الكبد. عرض عليّ أحد 'تجار الحروب' المبلغ، ولكن بشرط أن أتزوج ابنه 'زواجًا مؤقتًا' لأسبوع واحد فقط. كان يعرف أنني في حالة يأس تام. شعرتُ حينها أن العالم كله يتفرج على ذلنا ولا يحرك ساكنًا. هل وصلنا إلى زمن تُباع فيه النساء مقابل شريط دواء؟"

الشهادة الرابعة

في إحدى الشهادات التي نقلتها تقارير حقوقية، تقول (س. م)، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال في مخيمات دير البلح:

  "ذهبْتُ لأطلب حصة من الدقيق لأطفالي الذين لم يأكلوا منذ يومين، ففاجأني المسؤول عن التوزيع بطلب رقم هاتفي الخاص وقال لي حرفيًا: 'تعالي إلى المكتب بعد انصراف الجميع وسأعطيكِ حصتين لا واحدة'. عندما رفضت، سخر مني وقال: 'الجوع سيعيدكِ إليّ غدًا'."

الشهادة الخامسة

شهادة أخرى لـ (نور)، شابّة نازحة، كشفت عن استغلال عبر "مجموعات المساعدات" على واتساب:

  "تواصل معي شخص ادعى أنه ينسق مع منظمة دولية لتوفير منح مالية (Cash for Work). بعد أيام من الحديث الرسمي، بدأ يطلب صورًا جريئة مقابل تحويل المبلغ، مهددًا بأن هناك مئات النساء ينتظرن مكاني وسيفعلن أي شيء من أجل المال."

الموت الصامت: الوصمة والخوف

ما يجعل هذه المأساة أكثر إيلامًا هو "الصمت المفروض". ففي مجتمع يعلي من شأن "الستر" والتقاليد، تجد الضحية نفسها وحيدة؛ فهي لا تستطيع إخبار عائلتها خوفًا من رد فعل عنيف، ولا تستطيع التبليغ عن المستغل خشية قطع شريان الحياة الوحيد عنها. هذا "الخناق المزدوج" يجعل النساء يعشن في حالة من الرعب النفسي المستمر، مما أدى لزيادة حالات الانتحار أو الانهيار العصبي الحاد بين النازحات.

الانهيار الأخلاقي.. المسؤولية على من؟

التقارير الحقوقية لا تلقي باللوم فقط على "الأفراد المنحرفين"، بل على "المنظومة الدولية" التي تركت غزة تصل إلى حد المجاعة التامة، مما خلق بيئة خصبة للاستغلال. غياب الرقابة الحقيقية على آليات التوزيع، وتفويض أشخاص غير مؤهلين أخلاقيًا للتحكم في الموارد، جعل من "المعونة الإنسانية" وسيلة للاستعباد بدلًا من الإنقاذ.

إن قصص هؤلاء النساء ليست مجرد "سبق صحفي"، بل هي وصمة عار في جبين الإنسانية. إن صمود المرأة الغزية أمام القصف كان أسطوريًا، لكن صمودها أمام "جوع أطفالها" هو الاختبار الأكثر قسوة، حيث يغدو البقاء على قيد الحياة بحد ذاته معركة مريرة من أجل الكرامة.