عايز ماما.. أم تلحق بصغيرها ضحية خبيز العيد في الفيوم
لم تكن تدري "حنان محمد صديق" (37 عامًا) وهي تحزم أمتعتها البسيطة وتصطحب طفلها الصغير "محمد" (9 سنوات)، متوجهةً من قرية "سنهور" إلى منزل شقيقها "رفاعي" بقرية "جردو"، أنها تذهب لموعدها الأخير مع القدر.
كانت تحمل في قلبها بهجة العيد، وفي يدها "عجين الكعك" الذي اعتادت العائلات المصرية أن تحوله إلى طقس من المحبة واللمة؛ حيث جاءت حنان لتساعد والدتها المسنة "أحلام حسانين" (66 عامًا) في أعمال المنزل، رغم معاناة الابنة مع مرض السرطان.
وسط روائح الخبيز وصيحات الأطفال، وقعت الكارثة؛ إذ انفجرت أسطوانة بوتاجاز فجأة، لتحول فرن المنزل إلى ساحة من النيران. في تلك اللحظة المرعبة، لم تفكر حنان في النجاة بنفسها، بل كان همها الشاغل هو طفلها "محمد".
اندلعت النيران وأصابت جسديهما بحروق قاتلة، ونُقلا على أثرها إلى المستشفى في حالة حرجة، ومعهما 14 مصابًا آخرين، رحل الصغير أولًا وهو ينادي مسعفيه: "عايز ماما"، دون أن يدري أن أمه ترقد في غرفة مجاورة تصارع الموت.
قبل أيام، رحل الطفل محمد "عصفور الجنة"، تاركًا والدته في غرف الرعاية المركزة بمستشفى الحروق. لم يخبروها برحيله خوفًا على حالتها الصحية، لكن يبدو أن "قلب الأم" كان يشعر بالنداء الخفي؛ فاليوم الثلاثاء، وبعد صراع مرير مع الألم، لفظت حنان أنفاسها الأخيرة لتلحق بفلذة كبدها، وتكتمل فصول المأساة التي هزت أرجاء محافظة الفيوم.
قرية "جردو" تحتشد بالسواد
اتشحت قرية "جردو" بالسواد، وتوقفت مظاهر العيد تمامًا؛ فلا صوت لآلات العجين ولا رائحة للخبيز، بل خيمت رائحة الموت والحزن على الوجوه. وتستعد القرية الآن لتوديع الأم في مشهد جنائزي مهيب، بعد أيام قليلة من وداع طفلها.
رحلت حنان وهي تحمل في جسدها آثار "نار" لم ترحم ضعفها، بسبب إصابتها بالسرطان، ورحل محمد وهو يحلم بملابس العيد، ليجتمعا معًا في دار الحق، بعيدًا عن ضجيج الانفجارات وآلام الحروق، تاركين لأسرتهم صبرًا مريرًا وذكرى لن تُمحى عن "عيد جردو الحزين".
وتتواصل دعوات أبناء القرية بأن يمنّ الله بالشفاء على باقي المصابين، ومن بينهم بركة العائلة الحاجة "أحلام حسانين عبد الغفار". يُذكر أن الحادث المروع قد أسفر عن إصابة 16 شخصًا، بينهم 8 أطفال، جرى نقلهم جميعًا لتلقي العلاج بمستشفى الحروق بالقاهرة.