خليهم يسامحوني.. تفاصيل مأساوية في انهاء شاب لحياته بعد النصب عليه وتعثر سداد ديونه
أقبل شاب يدعى على محمد بمحافظة الشرقية، على انهاء حياته بعد مروره بأزمة مالية طاحنة وتعثره في سداد مستحقات عدد من الأطباء والعملائه، وتحول خلال ساعات إلى حديث عام داخل مجتمع أطباء الأسنان وشركات المستلزمات الطبية، بعدما كشفت شهادات المقربين منه عن معاناة استمرت لأشهر بين الديون والمطالبات المالية ومحاولات البحث عن حلول قبل أن تنتهي المأساة بوفاته.
ووفق روايات متداولة بين الأطباء والمتعاملين معه، تعرض الشاب علي محمد صاحب شركة لتجهيز عيادات الأسنان لخسائر مالية كبيرة أدت إلى تعثره في الوفاء بالتزاماته تجاه عدد من الأطباء الذين كانوا ينتظرون تسليم أجهزة وتجهيزات عياداتهم أو استرداد أموال سبق سدادها. ومع تزايد المطالبات وتراكم الضغوط، دخل الرجل في أزمة نفسية ومالية معقدة، خاصة في ظل محاولاته المستمرة لإيجاد حلول وتسويات مع أصحاب الحقوق.

نقيب أطباء الأسنان بالإسكندرية يكشف تفاصيل الأيام الأخيرة
من جانبه، قال الدكتور وليد فؤاد الديب، نقيب أطباء الأسنان بالإسكندرية، إنه كان يتواصل مع الراحل قبل أيام من الواقعة لمحاولة حل أزمة بينه وبين اثنين من الأطباء، أحدهما كان ينتظر أجهزة تخص عيادته، فيما كان الآخر يطالب بمستحقاته المالية بصورة عاجلة.
وأوضح الديب أن أحد الأطباء كان قد نشر منشورًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن الأزمة، مشيرًا إلى أنه تدخل بنفسه للوصول إلى حل، وتم الاتفاق مع علي محمد علي على سداد جزء من المبلغ مقابل حذف المنشور، وهو ما حدث بالفعل.
وأضاف أن الراحل حوّل خمسة آلاف جنيه لأحد الدائنين من أصل نحو 200 ألف جنيه مستحقة عليه بعد يومين فقط من الاتفاق، مؤكدًا أن هذه الخطوة جعلته يقتنع بأنه لم يكن شخصًا يسعى للاستيلاء على أموال الآخرين أو التهرب من السداد، وإنما كان يمر بأزمة مالية حقيقية ويحاول التعامل معها بما يملكه من إمكانيات.
وأشار نقيب أطباء الأسنان بالإسكندرية إلى أن علي محمد علي أكد له تعرضه للنصب في مبالغ مالية كبيرة تسببت في تعثره، لافتًا إلى أنه كان يصدق روايته ويحاول مساعدته في تجاوز الأزمة بدلًا من زيادة الضغوط عليه.
وقال الديب إنه عرض عليه شراء عيادة كاملة وتجهيزاتها من أجل توفير سيولة مالية تساعده على سداد جزء من الالتزامات المتراكمة، موضحًا أن الراحل أرسل له بالفعل صورًا وأشكالًا لوحدات وتجهيزات الأسنان المعروضة للبيع أملًا في الخروج من أزمته.
وأضاف: "اليوم علمت أنه تناول حبة غلة وتم نقله إلى العناية المركزة، ثم علمت بعد ذلك بوفاته. أنا حزين ومتلخبط، فهناك أطباء شباب وضعوا مدخراتهم كلها من أجل إنشاء عياداتهم، وفي الوقت نفسه هناك رجل أرى أنه كان ضحية لمن نصبوا عليه ولم يجد من يساعده فقرر إنهاء حياته".
وأكد أن الأزمة خلفت ضحايا من الجانبين، فهناك أطباء يخشون ضياع أموالهم التي تمثل أحلام سنوات طويلة من العمل، وهناك أيضًا أسرة فقدت عائلها وسط أزمة مالية خانقة.
"خليهم يسامحوني".. آخر كلمات الراحل
وفي شهادة مؤثرة، كشف الطبيب أحمد الديدموني تفاصيل آخر حديث جمعه بعلي محمد علي قبل أيام قليلة من وفاته.
وقال الديدموني إن الراحل تواصل معه مساء الثلاثاء بعد صلاة العشاء، وكان في حالة نفسية صعبة للغاية، مضيفًا: "قال لي يا دكتور أحمد أنت عارف إني مش نصاب ولا نصبت على حد، غصب عني والله، الناس ليها فلوس ومش صابرين عليّ وأنا مش عارف أعمل إيه... خليهم يسامحوني".
وأضاف أن الراحل كان يردد أن بعض الأجهزة الخاصة بأحد الأطباء كانت موجودة بالفعل لكنه لا يعلم كيف تعقدت الأمور إلى هذا الحد، مؤكدًا أنه كان يشعر بالعجز الكامل أمام حجم المطالبات المالية الملقاة على عاتقه.
وأشار الديدموني إلى أن الوضع المالي لأسرة الراحل بالغ الصعوبة، قائلًا إن أسرته لا تمتلك حتى تكاليف إقامة مراسم العزاء أو شراء مستلزمات الدفن، مضيفًا أن حجم الديون يفوق قدرات الأسرة بالكامل.
وتابع: "اللي يسامح فله الأجر عند الله، واللي مش هيسامح من حقه، لكننا فعلًا لا نعرف كيف يمكن التعامل مع هذه المبالغ الضخمة".

تحركات لسداد الديون بعد الوفاة
ومع إعلان الوفاة، بدأت تحركات واسعة داخل قطاع الأسنان في مصر لمحاولة احتواء الأزمة ومساندة أسرة الراحل.
وكشف عدد من الأطباء أن شركات مستلزمات الأسنان وعددًا من العاملين بالقطاع أسسوا مجموعة تواصل خاصة لبحث سبل المساهمة في سداد الديون المتراكمة، فيما بدأت اتصالات مكثفة بين الأطباء والشركات والنقابات لحصر المديونيات وتحديد حجم الالتزامات الفعلية.
إلا أن القائمين على المبادرة أكدوا أن جمع التبرعات بصورة مباشرة يواجه عقبات قانونية، إذ لا يمكن استقبال تبرعات مالية إلا من خلال جهات معتمدة وحسابات رسمية موثقة وفق الضوابط القانونية المعمول بها.
وأشاروا إلى أن الجثمان كان موجودًا بمستشفى الأحرار بالزقازيق في انتظار الإجراءات القانونية واستكمال تقرير الطب الشرعي، بينما تتواصل الجهود لحصر الديون والتنسيق مع الجهات المختصة للوصول إلى آلية قانونية مناسبة للمساعدة.

تنازلات بالملايين
وفي تطور لافت، أعلن عدد من الدائنين التنازل عن مستحقاتهم المالية بالكامل مراعاة لظروف أسرة الراحل.
وبحسب ما تم تداوله بين الأطباء، تنازلت إحدى الشركات عن نحو 2.5 مليون جنيه، كما تنازل محمد حسن عن 600 ألف جنيه، فيما أعلن عدد من الأطباء التنازل عن مبالغ أخرى، من بينهم الدكتور عبدالرحمن الذي تنازل عن 120 ألف جنيه، والدكتور عبدالله الصفتي عن 75 ألف جنيه، والدكتور أسامة عن 37 ألف جنيه، والدكتور أدهم كشك عن 100 ألف جنيه، والدكتور محمد شاكر عن 50 ألف جنيه، إلى جانب تنازلات أخرى من أطباء وشركات مختلفة.
وقامت شركات مستلزمات الطبية للاسنان بتأسيس اسسو جروب واتس للمساهمه في سداد الدين، وتواصل عدد كبير للمساهمة ذكروا أنه يجري البحث حاليا عن آليه قانونية لسداد الديون.
وفي المقابل، لا يزال بعض أصحاب الحقوق متمسكين بمستحقاتهم المالية، وهو ما دفع لجنة من الأطباء والشركات إلى مواصلة عمليات الحصر والتدقيق تمهيدًا للوصول إلى حلول تحفظ حقوق الجميع وتراعي الظروف الإنسانية التي خلفتها الواقعة.
مأساة إنسانية خلفت أسئلة كثيرة
وأعادت وفاة علي محمد علي فتح ملف الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها المتعثرون ماليًا، خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يجدون أنفسهم فجأة أمام التزامات تفوق قدراتهم على السداد.
كما أثارت الواقعة حالة من الجدل والتعاطف داخل مجتمع أطباء الأسنان، بين مطالبات بالحفاظ على حقوق الدائنين من جهة، والدعوات لمساندة أسرة الراحل والتخفيف عنها من جهة أخرى، بعدما ترك وراءه ديونًا كبيرة وطفلًا لم يتجاوز عمره عامين، لتبقى قصته واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا خلال الأيام الأخيرة.