< جرائم هزت مصر.. ريا وسكينة حكاية الأسطورة الدموية وجدل براءة أشهر عصابة نسائية
 صورة لايف
رئيس التحرير

جرائم هزت مصر.. ريا وسكينة حكاية الأسطورة الدموية وجدل براءة أشهر عصابة نسائية

جرائم هزت مصر.. ريا
جرائم هزت مصر.. ريا وسكينة حكاية الأسطورة الدموية وجدل براء

في مطلع عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا بين عامي 1919 و1920، وبينما كانت مصر تشهد مخاض ثورة 1919 وصخب التحولات السياسية والاجتماعية، كانت أزقة حي "اللبان" الشعبي في الإسكندرية مسرحًا لكابوس صامت أذعن له الشارع المصري طويلًا. شقيقتان حولتا بيوتهما إلى مقابر جماعية للنساء، لتصبح قضية "ريا وسكينة" محطة فارقة في تاريخ الجريمة والعدالة بمصر، وأيقونة أسطورية امتزجت فيها الحقائق الجنائية بالجدل التاريخي المستمر حتى يومنا هذا.

بدأت خيوط القضية تتبلور في عام 1920 عندما تلقت مديرية أمن الإسكندرية بلاغات متكررة ومقلقة عن اختفاء عدد كبير من النساء اللاتي يرتدين مصوغات ذهبية في الأسواق والموالد الشعبية دون أثر. تزعمت العصابة الشقيقتان ريا بنت علي همام وشقيقتها الصغرى سكينة، بمشاركة زوجيهما (حسب الله محمد سعيد، ومحمد عبد العال)، ومعاونين آخرين هما (حسب الله وعلي الذكري).

 تفاصيل الجريمة ومجرياتها

اعتمدت العصابة على خطة محكمة ومنظمة لاستدراج الضحايا:

فخ الضيافة: كن يتربصن بالنساء في الأسواق والموالد، ويستدرجن الضحية إلى أحد المنازل المستأجرة بحي اللبان بحجة الضيافة أو شراء سلع رخيصة.
لحظة التنفيذ:بمجرد دخول الضحية، تنقض عليها العصابة خنقًا ببرود تام ودون رحمة لسرقة مصوغاتها الذهبية ونقودها.
المقبرة التحتية: لضمان عدم اكتشاف الجرائم، كن يحفرن حفرة عميقة أسفل أرضية الغرف التي يقمن فيها، ليدفنوا الضحايا تحت أقدامهن، ويزرعن فوقها الحصير والأثاث لمحو أي أثر للرائحة أو الشكوك. بلغ عدد الضحايا اللاتي تم توثيقهن رسميًا في أوراق التحقيقات 17 سُيدة.

كُشف المستور عندما تنبه الصاغ (مأمور مباحث اللبان وقتها) لكثرة بلاغات التغيب النسائية، ومع بلاغ أحد الأشخاص عن انبعاث روائح كريهة ومشبوهة من أسفل منزل إحدى المتهمات، داهمت الشرطة الأوكار لتكتشف المفاجأة: هياكل عظمية متراصة أسفل البلاط. أُلقي القبض على العصابة، وأدلى المتهمون باعترافات تفصيلية مطولة أمام النيابة العامة.

أُحيل المتهمون إلى محاكمة جنايات استثنائية عاجلة شغلت الرأي العام المصري.

منطوق الحكم: في ديسمبر عام 1921، أصدرت المحكمة حكمًا تاريخيًا وباتًا بـ الإعدام شنقًا بحق المتهمين الرئيسيين: ريا، وسكينة، وزوجيهما (حسب الله ومحمد عبد العال)، فضلًا عن اثنين من الشركاء.
التنفيذ: تم تنفيذ حكم الإعدام فيهن، لتسجل القضية كـ **أول مرة يُحكم فيها على نساء بالإعدام في تاريخ مصر الحديث.

 الجدل التاريخي: هل كنّ "ضحايا" أم "جناة"؟ (روايات الشك والبراءة)

على مدار العقود اللاحقة، أثارت القضية تساؤلات وبحوثًا تاريخية وقانونية عديدة، وظهرت آراء تطرح فرضيات مغايرة للصورة الرسمية الشائعة:

الرواية السياسية (ضحايا الاحتلال البريطاني): يرى بعض المؤرخين والباحثين (مثل الكاتب صلاح عيسى في كتابه الشهير "رجال ريا وسكينة") أن أسطورة الجريمة ربما أُحيطت بأبعاد مبالغ فيها، أو أن هناك من استغل الظروف السياسية والاجتماعية لضرب الحركات الوطنية والتغطية على أحداث أخرى، بينما يشير آخرون إلى أن بعض الاعترافات انتزعت تحت ضغوط قاسية في أقبية التحقيق آنذاك.
فرضية الدور الأكبر للرجال: يجادل البعض بأن ريا وسكينة لم تكونا سوى أدوات أو واجهة لعصابة يقودها الرجال (حسب الله ومحمد عبد العال)، وأن المجتمع والدراما اللاحقة ركزا بشكل مبالغ فيه على الشقيقتين لتكريس صورة "الشر النسائي المطلق"، بينما كان الرجال هم المخططين الأساسيين للجرائم.
التشكيك في الأرقام والتفاصيل:تشير بعض القراءات النقدية إلى أن ضغوط الشارع والرأي العام على الحكومة والشرطة في ذلك الوقت (بسبب فشلهم في كشف الغموض طويلًا) دفعت السلطات لتسريع وتيرة التحقيقات وتأكيد إدانة المتهمين بشكل قاطع لتهدئة الرأي العام، مع وجود بعض الثغرات الصغيرة في ملفات الشهود.

الخلاصة التاريخية: رغم هذه التاويلات والفرضيات التي تهدف دائمًا لقراءة التاريخ من زوايا إنسانية واجتماعية مختلفة، تبقى الأوراق الرسمية ومحاضر التحقيقات القضائية الصادرة عام 1921 هي الوثيقة القانونية المعتمدة التي أثبتت إدانتهم بالجرائم المنسوبة إليهم.