العشائر تكشف العُراة: حين يفضح التضامن الأهلي ادعاءات حماس والميليشيات

العشائر تكشف العُراة:
العشائر تكشف العُراة: حين يفضح التضامن الأهلي ادعاءات حماس و

في خضم الكارثة الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة، وبينما تتواصل الخسارة اليومية في الأرواح جراء الحصار والتجويع، تبرز العشائر الفلسطينية بوصفها الجسم المجتمعي الوحيد الذي ترجم القول بالفعل على الأرض، محدثةً في المشهد السياسي كسرًا صامتًا لكن بليغًا: فضحت زيف الادعاءات الحمائية لحركة حماس من جهة، وعرّت الطابع السياسي لما تصفه الميليشيات المسلحة بـ"العمل الإنساني" من جهة أخرى.

العشائر في الميدان: فعل قبل الكلام

شاركت العشائر الفلسطينية في تأمين وصول شاحنات محملة بمساعدات إنسانية إلى مخازن برنامج الأغذية العالمي في مدينة غزة، خشية تعرضها لعمليات نهب من عصابات تقول جهات حكومية إنها تعمل تحت غطاء الجيش الإسرائيلي. لم يكتفِ أبناء العشائر بالتصريح، بل شكّلوا سلاسل بشرية بأجسادهم لحماية تلك الشاحنات ووصولها إلى المحتاجين.

والأهم من ذلك أن الهيئة العليا لشؤون العشائر في قطاع غزة أعلنت رفع الغطاء العائلي عن كل من يثبت تورطه في أعمال السرقة أو نهب المساعدات الإنسانية، مؤكدةً أن هذه الأفعال تلتقي مع أهداف الاحتلال وتخدم مخططاته في ضرب وحدة المجتمع الفلسطيني. هذا الموقف الحازم ليس مجرد إعلان أخلاقي، بل هو رسالة سياسية واضحة: العشيرة تحمي الناس بلا شروط ولا أجندات.

فضح حماس: الحارس الغائب حين يحتاجه الناس

أدى التجويع إلى وفاة 133 فلسطينيًا بينهم 87 طفلًا، بعدما منع الاحتلال إدخال أكثر من 80 ألف شاحنة مساعدات ووقود. وفي هذا الظرف الاستثنائي، غابت حماس عن المشهد الخدمي الميداني بصورة لافتة، بينما حضرت العشيرة. أكثر من 85% من سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل جزئي أو كلي على المساعدات الغذائية، ومع ذلك لم تُقدّم حماس نموذجًا منظمًا للتوزيع المدني يوازي حضورها الأمني، مما أوجد فجوة شعبية حقيقية شغلتها العشائر.

ما جعل التقابل أكثر جلاءً هو أن العشائر تحركت بلا سلاح ولا سلطة رسمية ولا تفويض سياسي، بينما تمتلك حماس كل ذلك ولم تُوجّهه نحو الاحتياج اليومي للمواطن. الشرعية التي يمنحها رغيف الخبز في الوقت المناسب تفوق كل خطاب.

فضح الميليشيات: إنسانية بوجه مزدوج

على الضفة الأخرى، سعت تشكيلات مسلحة إلى استثمار الخطاب الإنساني ذاته لبناء شرعية مجتمعية، غير أن الحقائق الميدانية أجهضت هذه المحاولة. 

حسام الأسطل قائد ما يعرف بالقوات الشعبية، يقود ما يُعرف بـ"جهاز مكافحة الإرهاب" الذراع العسكري لما تسمى "القوات الشعبية". وقد لوّح الأسطل بتوزيع الغذاء والمأوى على السكان، لكن السياق أفصح عن الحقيقة:

وقال حسام الاسطل: إن عناصره عملوا لساعات في وسط خان يونس ووزعوا مساعدات كبيرة على السكان، وأضاف إنهم تعرضوا لإطلاق نار خلال العمل، وهو ما أدى لمقتل أحد عناصرهم.
وبحسب تصريحاته، فإن حماس ليس عندها سيطرة كاملة على المنطقة، وإن مجموعته تعمل بشكل مباشر لخدمة الناس على الأرض.

تهدف هذه الخطة إلى إنشاء كيانات محلية بديلة لحكم حماس عبر تقسيم قطاع غزة إلى مناطق صغيرة يتم "تطهيرها" عسكريًا، ثم تسليم إدارتها لمجموعات محلية موالية للاحتلال. وهنا يتجلى الفارق الجوهري: العشيرة تخدم الناس لأنها منهم، أما هذه التشكيلات فتوزع مساعدات لأنها تريد السلطة عليهم.

تتمركز هذه المجموعات المسلحة شرق الخط الأصفر، في مناطق لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وهو ما يكشف بوضوح أن حرية حركتها ليست نتاج شجاعة ميدانية، بل نتاج حماية أمنية. في المقابل، تحركت العشائر في قلب مناطق الخطر الفعلي بلا غطاء عسكري ولا ضمانات، مما أعطى حضورها مصداقية لا تملكها تلك المجموعات.

ما كشفه دور العشائر ليس مجرد فجوة في الأداء، بل أزمة شرعية متشعبة: حماس التي تحكم القطاع منذ ما يقارب عقدَين لم تُوجّه طاقتها المؤسسية نحو الخدمة المدنية حين احتاجها الناس أشد الاحتياج. والميليشيات التي ترفع شعار "تحرير الناس من حماس" تستورد مساعداتها من الجهة التي تحاصر هؤلاء الناس وتُجوّعهم. أما العشيرة، بتراثها المجتمعي العريق وبلا أجندة مُعلنة سوى الصمود، فقد أثبتت أن أكثر أفعال السياسة فاعليةً هو ذاك الذي لا يُسمّي نفسه سياسةً أصلًا.