صلة الرحم تنتهي في ثلاجة الموتى.. القصة الكاملة لمأساة عائلة الفيوم على قضبان السويس
داخل ثلاجة حفظ الموتى بالمجمع الطبي في السويس، لم يكن الصمت عاديًا، بل كان ثقيلًا، يمزقه بين الحين والآخر صوت خطوات واجفة لأقارب جاءوا يقطعون الشك باليقين، وأنين مكتوم لأخٍ ضرب الحزن بينه وبين القدرة على الكلام بابًا، وأبٍ وقف فجأة بلا زوجة وبلا أطفال، بعد أن خطف قطار ركاب تفاصيل حياته في لمح البصر.
على الطريق القصير المؤدي إلى تلك الثلاجة، افترش الأهالي الأرض والمقاعد، وزّع الحزن نفسه بالتساوي بين الوجوه الشاحبة، وكانت دقائق الصبر تمر كأنها ساعات طويلة، بانتظار الدخول لمواجهة الصدمة الأقسى: التعرف على ملامح شوهتها النيران وحددوها بصعوبة، تارة عبر شكل حُليّ في اليدين والأصابع، وتارة بعلامات مألوفة في الجسد.
بدأت المأساة صباح الجمعة، عندما استقل أفراد العائلة سيارة ملاكي من قريتهم الهادئة "العجميين" التابعة لمركز أبشواي بمحافظة الفيوم. تباينت الروايات في محيط العائلة حول الوجهة الدقيقة للرحلة؛ فالبعض تحدث عن مشاركة في حفل زفاف لأحد الأقارب بالسويس، بينما كانت النية الأعمق والأكيد هي "صلة رحم" ومواساة؛ إذ كانت الشقيقتان "آسيا" و"فاطمة" في طريقهن للاطمئنان على ابن شقيقتهن الكبرى المقيمة في السويس، وهو شاب يعمل في توصيل الطلبات كان قد أصيب في حادث سير قبل ثلاثة أسابيع.
رافق الأمّهات في هذه الرحلة أمل اللقاء، والبهجة التي حملها الأطفال والشباب في حقائبهم ومتاعهم، ولكن الأقدار كانت تحيك فصلًا مغايرًا تمامًا عند منطقة "الشلوفة" بنطاق حي الجناين في السويس.
عند "مزلقان أبو حسين"، وهو معبر عشوائي غير شرعي، اتخذ قائد السيارة "محمد" (22 عامًا) قراره بالعبور، وفي لحظة خاطفة، عجزت الإطارات عن تجاوز القضبان وتوقفت المركبة تمامًا، ليتزامن ذلك مع قدوم قطار الركاب.
لم يمنح القطار السيارة فرصة للنجاة؛ اصطدم بها بقوة هائلة وسحلها مسافة تتجاوز 600 متر، لتنتهي الرحلة بانفجار المحرك وخزان الوقود، متسببًا في تفحم وموت كل من كان بداخل المركبة، والتهمت النيران الحقائب والأمتعة التي اصطحبوها معهم.
نقل رجال الإسعاف الضحايا داخل 8 أكياس سوداء لم تحمل في البداية أية بيانات، بل اكتفت بجملة واحدة جافة: "مجهول الهوية"، قبل أن ينجح الأهالي المفجوعون في تحديد هوية الراحلين فرادى ومثنى: آسيا سعد فاتح (36 عامًا)، وشقيقتها فاطمة سعد فاتح (42 عامًا)، ومحمد أحمد محمد (22 عامًا) - قائد السيارة.
الشقيقات الثلاث (بنات فاطمة): بسملة أحمد محمود (18 عامًا)، سلسبيل أحمد محمود (9 أعوام)، وسندس أحمد محمود (7 أعوام)، وابنة خالتهم ورفيقة رحلتهم ورحيلهم: رحمة عادل السيد (15 عامًا).
فور انتشار نبأ الفاجعة، خيّم حزن عميق وصدمة بالغة على قرية "العجميين" بالفيوم، وأكد أهالي القرية أن الضحايا كانوا يتمتعون بحسن الخلق والسيرة الطيبة، مشيرين إلى أن غياب أسرة كاملة برمتها -بينهم أطفال وشباب في مقتبل العمر- ترك أثرًا بليغًا في نفوس الجميع.
وبعد استكمال جهات التحقيق للإجراءات القانونية واستخراج تصاريح الدفن، تسلم الأهالي الجثامين الثمانية للتحرك بها في رحلة العودة الحزينة إلى الفيوم، حيث من المقرر تشييع الجثامين ظهر اليوم السبت وسط مأتم شعبي مهيب ومشاركة واسعة من أهالي المحافظة بمقابر العائلة.
وعلى الجانب الرسمي، قوبل الحادث بتحركات فورية لتلافي تكرار المأساة؛ إذ أصدر اللواء هاني رشاد، محافظ السويس، قرارًا فوريًا بغلق جميع المزلقانات والمعابر غير الشرعية بالمحافظة.
وأشرف القيادات التنفيذية بحي الجناين على غلق "مزلقان أبو حسين" عبر الاستعانة بـ 4 حواجز خرسانية ضخمة لمنع حركة المرور تمامًا من الجانبين القادمين من منطقة أبو سيال وقرية أبو حسين.
وفي سياق متصل، وجه إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، "المجمعة المصرية للتأمين من أخطار حوادث السكك الحديدية" بسرعة اتخاذ الإجراءات وصرف التعويضات المستحقة لأسر الضحايا، معلنًا رفع قيمة التعويض بشكل استثنائي من 30 ألف جنيه إلى 50 ألف جنيه عن كل حالة وفاة، والتواصل الفوري مع العائلة المكلومة لتسهيل الإجراءات فور استيفاء الأوراق.